ثرثرةُ الأبكَـمَـين ..
الزيارات :237

في ليلةٍ بكماءَ كنتُ على سريري لم أنم
فأنرتُ مصباحي ..
وقلبت الدفاترَ ..
ثم أيقظتُ القلمْ
وأدرتُ فكري للكتابةِ
كي أشاركَ أمتي وجعاً يؤرقُـها
ففي الأشعارِ ترياقٌ لتخيفِ الألمْ
فقال لي قلمي :
تعوَّذ باسمِ ربِّكَ من عذابِ النارِ والقـبرِ
تعوذ باسم ربك من غيابةِ ( قونتنامو )
و ( أبي غريبٍ ) و ( النَّقـَبْ )
وانفض فِـراشَـكَ باللحافِ
ولا تزد في جذوةِ القلبِ الحطبْ
واتفل ثلاثاً عن يسارِك ثم نـَمْ
فقلتُ يا قلمي : صَهٍ
فأنا الذي أوحي إلـيـكْ
فأطعْ ودعْ عـنـكَ الـتـذمُـرَ والهَـربْ
سـأعـيـدُ غـفوتَـكَ الهنيَّـةَ بعـدَ حـينٍ فـارتقبْ
لا تُـلجِمِ الأفكارَ في رأسي العنيــدْ
لا تطمـسِ الصورَ البديعةَ بـينَ أثوابِ المشاعـرِ القصيـدْ
صَهٍ .. وسـجّلْ كـلَّ ما يُملى علـيـكْ
فلستُ أرضى بينَ أفـكاري مخالطةَ الشـريـكْ
قال : نعم ..
لكنَّ هذا كان من خوفي عليك
فـتنوّعُ الأحداثِ يُشعِـرُ بالوهَنْ
ماذا ستكتبُ بعد أن غابت كرامتُـنا
ويبكي فوقَ أطلالٍ لعزتنـا الزمنْ ؟
ماذا ستكتبُ والأفاعي من حوالينا تلوَّت ..
قيحها يزدادُ ..
والقدسُ من البلوى تئنْ ؟
لكن اكتب إن عزمتَ
دونَ أن تخشى الرقيبْ
قم وجيِّش كلَّ أطفالِ الحجارةْ
وخُـذِ العزمَ من النسوةِ في ( غزةَ ) و ( القدسِ )
ومن وسطِ ( جينينْ )
حيث أعلنَّ جميعاً :
قد عزمنا ننتجُ اليومَ الرجالَ الصامدينْ
نزرعُ ( الدُّرَّةَ ) مرَّاتٍ .. ومرَّاتٍ
ونجني زرعَهُ لو بعدَ حـينْ
ننثـُـرُ المحصولَ في الأرجاءِ
في كلِّ مكانٍ حولَ أقصانا المباركْ
فنواحيها .. وما فيها تباركْ
كلُّ هذا الزرعِ منذورٌ لتكسيرِ القيـودْ
ولمحوِ الهيكلِ المزعومِ من رأسِ اليهودْ
أم ستحكي عن بطولاتٍ من الوهمِ
لإرضاءِ الرقيبْ ؟!
***
ماذا ستكتبُ ؟
هذه بغدادُ نهراها دموعٌ وَدماءْ
ماذا ستكتبُ بعد أن دنّسَ آثارَ الرشيدِ الغرباءْ ؟
قُم وحطِّم حائط المبكى الذي ..
قد بنيناهُ على أيامنا
ومـددنـاهُ من القدسِ إلى أرضِ العراقْ
ونسينا قصةً فيها البُراقْ
قم وسجِّلْ عن بطولاتٍ لعصرٍ
جاءَ فيهِ الرومُ والفرسُ
ليجنوا ثأرَهم ..
بعدَ أن كـنَّـا منحناهُ لهم
في صباحِ العيدِ جاؤوا الفارسَ المأسورَ واقتادوه
كي يلقوا بهِ ..
في قلوبِ الخائفينْ
فتسمّرنا أمامَ الشاشةِ الحمراءِ
من بأسِ العدى مستسلمينْ
وشخصنا ..
وشهقنا ..
وعـَـلـَتْ كلَّ وجوهِ القومِ ألوانُ الوجومْ
وإذا بالفارسِ الصنديدِ تبدو في محياهُ
ابتسامةُ مجدِنا المنسيِّ ..
توقِـظُـنـا
تُذكرنـا بأنَّ المجدَ لا يُمحى بموتٍ
ثمَّ يهتفُ شامخاً ( اللهُ أكبرْ )
ويدوي صوتُهُ :
( أشهدُ ألا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ )
كي نتذكَْـرْ
فجزاهُ اللهُ خــيراً أن تلا تلك الرسالةْ
أتُراهــا وصلََتْ ؟
أم أضعناها ــ كما ضعنا ــ
فقد أضفى على الموقفِ هالَةْ ؟
ربما ذلك لا يُرضي الرقيبْ !
***
قُم وسر بي في مداراتِ الفَلَكْ
قم وسر بي ..
إنّي لن أخشى إذا الحُريَّةُ البيضاءُ قالت : هَيتَ لَكْ
وفـَـتَّـحَـتْ أبـوابـَـها ..
وتبـاعدَ الواشونَ
وانصرفَ الدَّرَكْ
وصارَ كلُّ حدِثِنـا نحوَ المسامِعِ قد سَـلَـكْ
ولم يعُد فينا مُفكِّـرُنا .. وشاعرُنا .. وكاتبُـنا
إذا ما صاغَ إبـداعـاً
وصارَ النَّـصُّ مقروءاً
وأخلصَ نُصحَـهُ صدقـاً
وحطَّ النقطَةَ السوداءَ في ذيلِ المقالةِ والقصيدِ وما حبَـكْ
فتذكر الرقبـاءَ في جوفِ الليالي فارتبكْ
فحينـَـها .. قل لي بأنَّـا في زمانٍ قد تجلّى فيه بعضُ النورِ
وانقشَـعَ الحَلـَكْ
لكنَّـنـا يا صاحبي في عصر مَـنْ قالَ الحقيقةََ قد هَلَكْ
عصرٍ تمنّى فيه لو عادَ إلى الرحْمِ
أوِ الظـَّـهـرِ ..
إلى ما قبلَ عهدِ اللهِ .. أو ما قبلَ ( كـُنْ ) *
فمتى ستكتبُ دونَ أنْ تخشى الرقيب ؟
فأجبتُ : يا قلمي ترفَّقْ .. بل صهٍ
أفٍّ عليكْ
ما كنتُ إلا مازحاً ..
فأنا سأكتبُ بعض شعرٍ للحبيبْ .
* : عهد الله إشارة إلى العهد في الآية172 من سورة الأعراف :
( وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتَهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين )
ذو القعدة 1428هـ